حقوق الإنسانمقالات
أخر الأخبار

المسؤولية المترتبة عن التلوث الإشعاعي النووي في القانون الدولي – 2

كتب : عمر محمد آل سعديه / باحث حقوقي و قانوني ( القانون و الرأي العام)

يمثل التلوث الإشعاعي النووي أحد أخطر أنواع التلوث البيئي، نظرًا لآثاره المدمرة طويلة الأمد على البيئة والإنسان. وقد أدى تطور الطاقة النووية للأغراض السلمية والعسكرية إلى تعاظم القلق الدولي من المخاطر المحتملة، خصوصًا في حالات الحوادث أو التسريبات النووية العابرة للحدود. من هنا تبلورت الحاجة إلى وضع نظام قانوني دولي يُحمّل الدول أو الكيانات المسؤولة عن تلك الأضرار المسؤولية الدولية.

الإطار القانوني للمسؤولية الدولية عن التلوث النووي

مبدأ المسؤولية الدولية في القانون الدولي العام

ينص ميثاق الأمم المتحدة (1945) ضمنيًا على أن الدول مسؤولة عن أفعالها التي تُلحق ضررًا بدول أخرى، وإن لم يرد نص مباشر عن التلوث البيئي.
ومع ذلك، تطور هذا المفهوم في الفقه الدولي والاجتهادات القانونية ليشمل المسؤولية عن الأضرار البيئية.

ويُستند في ذلك إلى:

مبدأ عدم الإضرار بالدول الأخرى: وهو مبدأ عرفي تم تأكيده في إعلان استوكهولم لعام 1972 (المبدأ 21) وإعلان ريو لعام 1992 (المبدأ 2)، وينص على أن “للدول السيادة في استغلال مواردها، بشرط ألا تُلحق ضررًا ببيئة الدول الأخرى”.

مشروع لجنة القانون الدولي حول مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا (2001): ينص على أن الدولة تتحمل المسؤولية الدولية عن أي فعل يُشكل انتهاكًا لالتزام دولي يترتب عليه ضرر.

المعاهدات الدولية الخاصة بالمسؤولية عن التلوث الإشعاعي النووي

  1. اتفاقية فيينا للمسؤولية المدنية عن الأضرار النووية (1963)

تُحمّل مشغل المنشأة النووية المسؤولية المدنية المطلقة عن أي ضرر نووي يحدث، دون الحاجة لإثبات الخطأ.

تضع حدودًا قصوى للمسؤولية المالية وتحدد المحاكم المختصة.

  1. بروتوكول فيينا المعدل (1997)

رفع حدود التعويضات المالية.

أدخل إمكانية المطالبة بالتعويض عن الأضرار البيئية.

  1. اتفاقية باريس (1960) واتفاقية بروكسل (1963) (ضمن إطار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية – OECD)

تشبه اتفاقية فيينا، لكنها خاصة بالدول الأوروبية.

أُعيد تحديثها في 2004 لتوسيع نطاق الأضرار والتعويضات.

  1. اتفاقية المسؤولية المكملة (CSC) عام 1997

تهدف إلى إنشاء نظام عالمي موحد للمسؤولية النووية.

تنص على وجود صندوق دولي لتعويض الأضرار في حال تجاوز حدود التعويض الوطني.

ومن السوابق التاريخية والتطبيق العملي

  1. حادثة تشيرنوبيل (1986)

في 26 أبريل 1986، وقع انفجار في مفاعل تشيرنوبيل بأوكرانيا أدى إلى تسرب إشعاعي عبر أوروبا. لم تكن أوكرانيا آنذاك طرفًا في أي اتفاقية مسؤولية نووية. طالبت العديد من الدول الأوروبية (مثل السويد والنمسا) بتعويضات لكن لم تكن هناك آلية ملزمة. أثر الحادث حفّز على مراجعة وتحديث اتفاقيات المسؤولية النووية. أبرز الحاجة إلى الشفافية وسرعة الإخطار في حالات الطوارئ.

  1. حادثة فوكوشيما (2011) – اليابان

تسبب زلزال وموجة تسونامي في تدمير منشآت مفاعل فوكوشيما، وتسرب إشعاعي. و لم تتقدم دول مجاورة بطلبات تعويض، ولكن جرى تفعيل التعاون الدولي والمساعدات الفنية.

المسؤولية الجنائية عن التلوث النووي

رغم أن الاتفاقيات السابقة تركز على المسؤولية المدنية، إلا أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) ينص على أن:

“الإضرار المتعمد بالبيئة باستخدام وسائل تدمر بيئيًا بشكل واسع وطويل الأمد يُعد جريمة حرب” (المادة 8(2)(ب)(4)).
لكن: يتطلب إثبات القصد الجنائي. لم تُفعَّل هذه المادة في أي محاكمة حتى الآن

التحديات القانونية

قصور القواعد الملزمة عالميًا: لا توجد اتفاقية شاملة تغطي جميع الدول بموجب نظام واحد للمسؤولية. وحدود التعويض المنصوص عليها غالبًا ما تكون أقل من حجم الأضرار البيئية الفعلية. و غياب آلية قضائية دولية إلزامية للفصل في النزاعات الخاصة بالتعويض النووي.

فيما يتعلق بالمسئولية القانونية لحدوث تسرب إشعاعي محتمل نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية على منشآت تخصيب اليورانيوم الإيراني (مثل نطنز، فوردو، وأصفهان) بتاريخ 22 يونيو 2025:

  1. إيران تنفي وجود أي تسرب إشعاعي حتى اللحظة، مؤكدة أن المنشآت تؤويها وكالة الطاقة الذرية وأن مراقبيها لم يرصدوا أي زيادة في مستويات الإشعاع خارج المواقع .
  2. وكالة الطاقة الذرية (IAEA) أبلغت أن الضربات لم تسفر عن تلوث إشعاعي خارجي يذكر، رغم حوادث داخلية بسيطـة قد تحمل مواد كيميائية مثل UF₆ .
  3. خبراء متعددون أكدوا أن المخاطر الإشعاعية خارج المنطقة المستهدفة ضئيلة، لكن التلوث الكيميائي (غاز UF₆) قد يظل ناقل خطر موضعي .

التصنيف القانوني لمسئولية التسرب

  1. القانون الإنساني الدولي (IHL)

حماية المنشآت النووية مصنفة من المنشآت المحمية أثناء النزاعات المسلحة، خاصة إن كانت لأغراض سلمية .

تحويلها إلى أهداف يستلزم ضرورة عسكرية واضحة؛ وإن نتج عن ذلك تسرب إشعاعي جسيم تُعدّ مثل هذه الضربات انتهاكًا، وقد يرقى إلى جرائم حرب.

  1. اتفاقية الطاقة الذرية ونظام NPT

إيران موقعة على اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، ووجود موقع مثل فوردو خاضع لانضباط الوكالة الدولية.

الهجوم على مكان محمي بموجب اتفاقية الضمانات الدولية (IAEA) بدون إخطار مسبق أو سقف قانوني مناسب يُعد خرقًا للتزامات الطرف المعتدي.

  1. المسؤولية الدولية للدول

إذا تبيّن وجود تسرب إشعاعي وتسبب في أضرار بيئية أو صحية، فإن: الدولة المنفذة (أو المتحالفة معها) تتحمل مسئولية تعويض ضحايا الأفراد والدول المتضررة، على أساس قواعد المسؤولية الدولية. يجب ترتيب إجراءات إصلاح الأضرار وفقًا للبروتوكولات السارية، مثل التنظيف البيئي، والتعويض، ووقف الأثر المستمر.

  1. دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)

لها حق الوصول الفوري إلى المواقع لتقييم الأضرار والتلوث.

إذا أقرّت بالتسرب، يمكنها إصدار توصيات والتنسيق لإزالة آثار الإشعاع، ولكن لا تملك اختصاصًا قضائيًا فعليًا. دورها تقني وإشرافي.

الحالةالمسؤولية القانونية

لا تسرب فعليلا توجد مسؤولية تعويضية؛ تبقى الضربات ضمن إطار نزاع مسلح (قابلة للتقييم القانوني إن كانت مشروعة)
ثبت تسرب وأضرارتتحمل الولايات/القوات المنفذة «مسؤولية دولية» تتطلب تعويضات فعالة، والعمل على إزالة الأثر وفق قانون الإضرار النووي والقانون الإنساني الدولي

الخطوة المقبلة تعتمد على نتائج تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية المستقلة بشأن عمليات الرصد الإشعاعي داخل وخارج المواقع.
إذا نشرت هذه التقرير (قريبًا)، سيمكن تحديد مدى الصحة التقنية للتلوث وبتالي تحديد مسؤولية واضحة للجناة بمقتضى القانون الدولي.

سادسًا: التوصيات المستقبلية

العمل على توحد القواعد الدولية ضمن اتفاقية واحدة تشمل جميع الدول.

ضرورة توسيع نطاق التعويض ليشمل الأضرار غير المباشرة والأثر البيئي طويل المدى.

إنشاء محكمة دولية بيئية متخصصة للفصل في النزاعات المتعلقة بالتلوث العابر للحدود، ومنها الإشعاعي.

التلوث الإشعاعي النووي يفرض على المجتمع الدولي تحديات قانونية معقدة تتطلب توازنًا بين سيادة الدول، ومبدأ عدم الإضرار، والحق في التعويض. ورغم تعدد الاتفاقيات والمعاهدات، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لتقوية النظام القانوني الدولي، ليكون أكثر عدالة وفعالية في مواجهة الأضرار البيئية النووية.

كتب : عمر محمد آل سعديه / باحث حقوقي و قانوني ( القانون و الرأي العام)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى